قوال أهل التفسير
قال الطبري: -في قوله تَعَالَى:﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾[القمر:٤٢] "مقتدر على ما يشاء، غير عاجز ولا ضعيف". [تفسير ابن جرير ٢٢/ ٦٠٠].
كلمة (المقتدر) في اللغة اسم فاعل من الفعل اقْتَدَر ومضارعه يَقتَدِرُ، والمصدر منه هو الاقتدار فهو مقتدر، والأصل قدّر، أصل اقتدر قدّر، يقدر، أصل الأصل قَدَر، (قَ د رَ) ثلاثي وهو وصف يُمكّن من فعل الأشياء،. وهو اسم ثابت لله تعالى بالقرآن والسنة، وعليه إجماع الأمة، والعقل دالٌّ عليه.
لغة اسم فاعل من اقتدر، يقتدر، اقتداراً ، وأفعال اللغة العربية في الأصل بنيت على الثلاثي، الثلاثي فعل مجرد، الرباعي مزيد بحرف، الخماسي مزيد بحرفين، السداسي مزيد بثلاثة أحرف، قَدرَ، قَدّر، اقتدر خماسي.
قال ابن فارس: (قَدَرَ) الْقَافُ وَالدَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَبْلَغِ الشَّيْءِ وَكُنْهِهِ وَنِهَايَتِهِ. .. وَقُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلِيقَتِهِ: إِيتَاؤُهُمْ بِالْمَبْلَغِ الَّذِي يَشَاؤُهُ وَيُرِيدُهُ ... وَيَقُولُونَ: رَجُلٌ ذُو قُدْرَةٍ وَذُو مَقْدِرَةٍ، أَيْ يَسَارٍ. وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِيَسَارِهِ وَغِنَائِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَبْلَغَ الَّذِي يُوَافِقُ إِرَادَتَهُ. [مقاييس اللغة 5/62-63بتصرف]
قال ابن الأثير: -المقتدر اسم فاعل من اقتدر، فعله اقتدر يقتدر اقتدارا، والأصل قدَّر يقدر، وقدَر يقدر قدرة، والمقتدر مُفْتَعِل من اقْتَدَرَ، وهو أكثر مبالغة من القادر والقدير. [ النهاية في غريب الحديث 4/ 22]
قال ابن منظور:-"المُقْتَدِر الوسط من كل شيء، ورجل مُقْتَدِرُ الخَلْق أَي وَسَطُه، ليس بالطويل والقصير". [لسان العرب 5/ 79]
قال الجوهري: قدر الشيء: مبلغه، وقدر الله وقدره بمعنى، وهو في الأصل مصدر، وقال الله تَعَالَى:﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾[الزمر:٦٧]، أي: ما عظّموا الله حقّ تعظيمه، والقدر و القدر أيضًا: ما يقدره الله من القضاء. [ الصحاح ٢/ ٧٨٦]
قال ابن فارس: "القدر": مبلغ كل شيء؛ يقال: قدره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القدر، وقدرت الشيء أقدره وأقدره من التقدير، وقدرته: أقدره، والقدر: قضاء الله تَعَالَى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها لها، … وقدرة الله تَعَالَى على خليقته: إيتاؤهم بالمبلغ الذي يشاؤه ويريده. [مقاييس اللغة ٥/ ٦٢ – ٦٣]
اسم الله "المقتدر" سمّى الله نفسه به، في قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾[سورة القمر]
الدليل عليها من السنة:
حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه مرفوعا: ((أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ))
حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه، لما ضرب غلامه؛ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)).
قوال أهل التفسير
قال الطبري: -في قوله تَعَالَى:﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾[القمر:٤٢] "مقتدر على ما يشاء، غير عاجز ولا ضعيف". [تفسير ابن جرير ٢٢/ ٦٠٠].
الدعاء باسم الله المقتدر
الدعاء باسم الله المقتدر دعاء مسألة
ورد عن بعض السلف كسيدنا سعيد بن المسيب انه كان يدعو قائلا: "" اللهم إنك مليك مقتدر وإن ما تشاء من أمر يكون، قال سعيد: فما سألت الله شيئا بها إلا استجاب لي".
اسم الله "المقتدر" سمّى الله نفسه به، في قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾[سورة القمر]
الدليل عليها من السنة:
حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه مرفوعا: ((أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ))
حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه، لما ضرب غلامه؛ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)).
قوال أهل التفسير
قال الطبري: -في قوله تَعَالَى:﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾[القمر:٤٢] "مقتدر على ما يشاء، غير عاجز ولا ضعيف". [تفسير ابن جرير ٢٢/ ٦٠٠].
اقوال أهل العقيدة
قال الحليمي في "المقتدر": وإن كان يقدر على أشياء كثيرة لم يفعلها، ولو شاء لفعلها، فاستحق بذلك أن يسمى: مقتدرًا. [المنهاج في شعب الإيمان ١/ ١٩٤].
قال الزجاج: "المقتدر" مبالغة في الوصف بالقدرة، والأصل في العربية أن زيادة اللفظ زيادة المعنى، فلما قلت: اقتدر، أفادت زيادة اللفظ زيادة المعنى". [تفسير الأسماء ص: ٥٩]
قال الخطابي: "المقتدر") … ووزنه) مُفْتَعِل: "من القدرة، إلا أن الاقتدار أبلغ وأعم؛ لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه" [شأن الدعاء ص: ٨٦]
الدعاء باسم الله المقتدر
الدعاء باسم الله المقتدر دعاء مسألة
ورد عن بعض السلف كسيدنا سعيد بن المسيب انه كان يدعو قائلا: "" اللهم إنك مليك مقتدر وإن ما تشاء من أمر يكون، قال سعيد: فما سألت الله شيئا بها إلا استجاب لي".
الدعاء بوصفه تعالى قديرا مقتدرا
فـ "المقتدر جل جلاله هو الذي يقدّر الأشياء بعلمه وينفذها بقدرته؛ وهو يجمع دلالة اسم الله القادر واسمه القدير معا؛ ومن الدعاء الجامع بين الأمرين ما ورد عند البخاري من حديث سيدنا جابر قال: ""كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السّورة من القرآن؛ يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين ين غبر الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخير بك بعلوك وأستقدرك بقدرتك؛ وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب؛ اللهمّ إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةٍ أمري أو قال عاجل أمري وآجِلِهِ فاقدره لي ويسّره لي ثم بارك لي فیه؛ وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبةٍ أمري أو قال في عاجل أمري وآجله؛ فاصرفه عني واصرفني عنه؛ واقدر لي الخير حيث كان ثمٌ أرضني؛ ويسمّي حاجته""
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (اللهمّ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علِمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علِمت الوفاة خيرا لي؛ اللهمّ وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة احق في الرّضا والغضب؛ وأسألك القصد في الفقر والغنى؛ وأسألك نعيما لا ينفد؛ وأسألك قرة عين لا تنقطع؛ وأسألك الرّضاء بعد القضاء؛ وأسألك برد العيش بعد الموت؛ وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائِك من غير ضرّاء ر رَو ولا فِتنةٍ مضِلة؛ اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين""
الدعاء بالاسم دعاء عبادة/ -دعاء العبادة يكون اعتقادا وقولا وعملا.
أما الاعتقاد فالموحّد يعتقد في تقدير الله وقدرته على جميع الموجودات؛ ويؤمن بخلقه وتدبيره لجميع الكائنات؛ وينزّه المقتدر جل جلاله عن أن يكون في ملكه شيء لا يقدر عليه؛ فيثبت التقدير السابق على الخلق؛ وأن العباد يعملون وفق ما قدّره المقتدر؛ فالله المقتدر جل جلاله خلق الدنيا بأسباب تؤدي إلى نتائج؛ وعلل تؤدي إلى معلولات؛ وأن السبب والنتيجة أو العلة والمعلول مخلوقان ومرتبطان بمراتب القدر وهما بين التقدير والقدرة؛ سواء ارتبط المعلول بعلته أو انفصل عن علته؛ فأهل اليقين ينظرون إلى الأسباب ويعلمون أن الله خلقها وهو الذي يقلبها بمراتب القدر؛ وأنها في ترابطها أو انفصالها صادرة عن كمال الحكمة في ابتلاء العباد.
إظهار عبودية اللسان:-
وهذا يظهر حين يعلق الموحد أفعاله على مشيئة الله وقدرته؛ سواء في ماضيه؛ أو حاضره؛ أو مستقبله؛ وقد علمنا نبينا أن الموحد يقول فيما وقع ومضى من الأحداث: قدر الله وما شاء فعل؛ ولا يقل: لو كان كذا وكذا لكان كذا وكذا؛ فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه؛ لاسيما بعد نفاذ التدبير ووقوع القدرة على التقدير؛ وإنما يجوز للموحد أن يذكر ذلك فيما يستقبل لأنه لا يعلم ما ستجري به المقادير.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -المؤمن القوى خير وأحبّ إلى الله من المؤْمِنٍ الضَعِيفٍ وفى كل خير؛ احرص على ما ينفعك؛ واستعن بالله ولا تعجز؛ وإن أصابك شىء فلا تقل: لو أنّى فعلت كان كذا وكذا؛ ولكين قل قدر الله وما شاء فعل فإِنٌ لو تفتح عمل الشيطان"
أما رد الأمر إلى المشيئة والقدرة في الحاضر فيقول دائما ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) عملا بها، كما ورد في قول الله عن العبد الصالح: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾[ الكهف 39]
وهنا ينسب الموحد النعمة إلى المنعم؛ ويرد الأمر فيها إلى مشيئة الله وقدرته؛ فالعبد الصادق مؤمن بآن الله قائم بالقسط والتدبير ومنفرد بالمشيئة والتقدير؛ يتولى تدبیر شئون العالمين؛ وهو في تقديره أحكم الحاكمين وخير الرازقين؛ لا يطمع في سواه ولا يرجو إلا إياه؛ ولا يشهد في العطاء إلا مشيئته ولا يرى في المنع إلا حكمته ولا يعاين في القبض والبسط إلا قدرته؛ فعند ذلك يقول الموحد: ﴿ وما توفيقي إلا بالله.... ﴾[هود:۸۸].
وأما رد الأمر إلي مشيئة الله وقدرته في المستقبل فهو كقول الله تعالى:﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴾[ الكهف 23 -24]
وأما ظهور توحيد الله في اسمه المقتدر وأثره على الفعل فيتجلى من خلال وسطية العبد في الآخذ بالأسباب والرضا بالنتائج بعد يقينه في تقدير مقلبها؛ فلا يتغافل العبد عن قدرته بدعوى الانشغال في النظر إلى حكمته؛ ولا يتواكل عن الأخذ بأسباب معيشته بدعوى الانشغال في النظر إلى قدرته؛ فالله يخلق بأسباب وبغير أسباب إن خلق بأسباب فهي العادات وهي حق وصدق؛ وإن خلق بغير أسباب فهي خوارق العادات التي تظهر قدرة الله في الخلق؛ وهذا مقتضى التوحيد في اسم الله المقتدر.
الإيمان بأن ما أودعه الله تعالى من قدرة وقوةٍ في مخلوقاته إنما هو منه جل وعلا: -
وهذا هو من إنعامه وتفضّله، وهذا يحمل العبد على أن يستعمل هذه القدرة في طاعة الله من قبيل الشكر له، فيسخرها في فعل ما يرضي الله، ويصرفها عن أن تكون في ما لا يرضي الله.
عدم الاغترار بشيء من قوة أو مال: -
أن المؤمن باسم الله (المقتدر) لا يغترُّ بقدرته بقوته، بل يكون إيمانه راسخًا بـ "لا حول ولا قوة إلا بالله" إذ هو مدرك لها تمام الإدراك، مصدِّقٌ لها تمام التصديق، فيتبرَّأ من حوله وقوته ويلتجئ إلى حول الله وقوته، كما هو الحال في من يستخير الله في أموره، فهو يقول في بداية دعائه: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم«
الابتعاد عن الظلم بشتّى صوره.
فيترك العبد الظلم بالكلية، وبخاصة ظلم العباد، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لأن الإيمان بقدرة الله تعالى وانتقامه للمظلومين من الظالمين يجعل العبد يرتدع عن الظلم والعدوان، وما أحسن قول المأثور: إذا دعتك قدرتك إلى ظلم العبد فتذكر قدرة الله عليك.
إثبات ما يتضمنه اسم الله المقتدر من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله سبحانه وتعالى له القدرة المطلقة، بشتى انواعها احوالها، فكما أنه مقتدر، فهو أيضا سبحانه قدير، قادر، له القدرة والتقدير الشامل التام من كل وجه.
- فأما قدرته سُبْحَانَهُ: فله ﷻ القدرة الواسعة التي وسعت كل شيء، والقدرة الكاملة التي كملت من كل وجه.
فأما سعة قدرته:
فقدرته عامه شاملة لكل شيء، :﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾[يس82] و قال تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الطلاق:١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾[الكهف: ٤٥].
ومن أثار سعة قدرته ما يلي:
أنه بقدرته خلق الخلق وأوجدهم من العدم، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[العنكبوت: ٢٠]
أنه بقدرته خلق السموات السبع والأرضين السبع على عظمهما وسعتهما، وما فيهما من إتقان وإحكام في ستة أيام من غير تعب ولا نصب، ونشر بقدرته فيهما أصناف الدواب من الإنس والجن وسائر الحيوانات. [ينظر: تفسير ابن كثير ٧/ ٢٠٧] ، [تفسير السعدي ص: ٨٧٢]
قال تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾[الطلاق:١٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾[الشورى:٢٩]
أنه بقدرته نوَّع خلقهم، فاختلفت أشكالهم وألوانهم ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم، وأنواعهم مع أن أصلهم واحد. [ينظر: تفسير ابن كثير٧/ ٢٠٧] ، [تفسير السعدي ص: ٥٧١]
قال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥] «كما أنزل المطر على الأرض، وهو لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف، قال تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[الرعد:٤]. [تفسير السعدي ص: ٥٧١]
أنه بقدرته يخلق ما يشاء على ما يشاء من الصفات، ويزيد في خلق بعضهم ما يشاء من القوة، والحسن، وزيادة الأعضاء، وحسن الأصوات، ولذة النغمات ونحو ذلك. [ينظر: تفسير السعدي ص: ٦٨٤]
قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾[الروم:٥٤]، وقال سُبْحَانَهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[فاطر:١].
أنه بقدرته خلق الآدمي من ماء مهين، ثم نشر منه ذرية كثيرة، وجعلهم أنسابًا وأصهارًا متفرقين ومجتمعين، ومرجعهم كلهم ذلك الماء المهين. [ينظر: تفسير السعدي ص: ٥٨٥].
قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٥٤].
أنه بقدرته فاوت بينهم فيما خلق لهم، فمنهم من يهبه البنات، ومنهم من يهبه البنين، ومنهم من يهبه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد، قال تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾[الشورى: ٤٩-٥٠]. [ينظر: تفسير ابن كثير ٧/ ٢١٦]
أنه بقدرته يقيم الساعة في لمح البصر، قال تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[ النحل:٧٧]، ويجمع الأولين والأخرين في صعيد واحد مهما كان تفرق أبدانهم وأجسادهم، ومهما كان مكان مهلكهم ومصرعهم. [ينظر: تفسير الطبري ٣/ ١٩٧]، [تفسير ابن كثير ١/ ٤٦٣]
قال تَعَالَى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة: ١٤٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]
أنه بقدرته يكرم أهل الجنة بألوان النعيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من غير انقطاع ولا زوال، قال تَعَالَى:﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾[القمر:٥٤-٥٥]، وبقدرته يعذب المكذبين بأصناف العذاب وألوان النكال من غير زوال ولا انقطاع بحال من الأحوال . [ينظر: الحق الواضح المبين، للسعدي ص٤٥-٤٦].
وكل ذلك الخلق وما فيه من كثرة وتنوع واختلاف، والبعث وما فيه من تفرق واجتماع ما هو إلا كخلق نفس واحدة وبعثها؛ إذ لا يتعذر على الله القدير شيء أراده، ولا يمتنع منه شيء شاءه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[ يس٨٢]، فسواء خلق واحد وبعثه، وخلق الجميع وبعثهم، قال تَعَالَى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨]
وأما كمال قدرته:
فقدرته جل جلاله كاملة سالمة من اللغوب، والإعياء، والتعب، والعجز عما يريد، قائمة على العلم، والملك، والحكمة، والقهر، والنصر ونحو ذلك من صفات كماله فـ:
هو القدير الذي أحاط بكل شيء علمًا، فعلم السرائر والضمائر والظواهر، لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، قال تَعَالَى:﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[آل عمران:٢٩].
هو القدير الذي ملك العالم العلوي والسفلي، وتصرف فيه بما شاء، ودبر أمره على ما أراد لا يمتنع عليه أمر من الأمور، ولا يعجزه أحد، بل كل شيء طوع مشيئته وقدرته، قال تَعَالَى:﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[آل عمران: ١٨٩]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[المائدة:١٢٠]، وقال تَعَالَى:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[الملك:١].
وهو القدير الذي يحكم في ملكه بما قدر وقضى، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال تَعَالَى:﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[الأنعام:١٧].
وبقدرته وحكمه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، قال تَعَالَى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌٌ ﴾[المائدة:١٩]، وحكم بشرعه، فأحل ما شاء، وحرم ما شاء، وأباح ما شاء، وحظر ما شاء، ونسخ وبدل وغير من أحكامه ما شاء، وأقر منها ما شاء، يحكم بما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] [ينظر: تفسير الطبري (٢/ ٤٨٨]، [تفسير ابن كثير ١/ ٣٧٨]
ثم هدى لشرعه من شاء، وضل عنه من شاء، ووفق إليه من شاء، وخذل عنه من شاء، القلوب بيده يصرفها على ما يشاء، قال تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] [طريق الهجرتين /لابن القيم /ص: ١٢٨]
وهو القدير الذي قهر أعداءه بما أوقع عليهم من أنواع العقوبات وبما أحل عليهم من المَثُلَات، قال تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾[ فاطر:٤٤]، فخليت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعم بعد كمال القوة، وكثرة العَدد والعُدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء. [تفسير ابن كثير ٦/ ٥٦٠]
فها هو فرعون وجنده مع ما هم فيه من الملك والجبروت، لما أتى أمر الله لم يغن عنهم ذلك شيئًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾[ القمر: ٤١- ٤٢]، فأبادهم المقتدر ولم يبق منهم مخبرًا ولا عينًا ولا أثرًا . [تفسير ابن كثير ٧/ ٤٨١]
وبقدرته يقهرهم إذا شاء، قال تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ﴾[الزخرف: ٤١ - ٤٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥].
ولو شاء لذهب بقدرته بالخلق، وأتى بخلق جديد خير منهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩]، لكنه العَفُوُّ سُبْحَانَهُ الذي يعفو عن الزلات والذنوب العظام فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر عن قدرته، قال تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾[النساء:١٤٩] [ينظر: تفسير السعدي (ص: ٢١٢]
وهو القدير الذي نصر حزبه مع ما هم فيه من قلة العدة والعتاد، قال تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾[الأحزاب: ٢٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الحشر:٦].
وبقدرته ينصرهم متى ما شاء، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وقال تَعَالَى ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[آل عمران: ١٦٥]، فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾[محمد:٤]. [تفسير السعدي /ص:١٥٦].
ب- وأما تقديره سُبْحَانَهُ:
فله ﷻ التقدير العام الشامل لكل شيء، والتقدير الكامل الذي لا نقص فيه.
فأما سعة تقديره:
فتقديره سُبْحَانَهُ واسع، وسع الخلائق كلها، فلا يحدث شيء في ملكوته سُبْحَانَهُ إلا وسبقه تقدير من القدير ﷻ، فلا يتقدم عليه شيء ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه، قال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[الفرقان: ٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر: ٤٩]، وقال تَعَالَى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: ٣]، وقال تَعَالَى:﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾[الرعد:٨].
قال السعدي: "هذا شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تَعَالَى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها، وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف. [تفسير السعدي ص: ٨٢٨]
"ومن تقدير المقتدر سُبْحَانَهُ: -
خلق الجنين في بطن أمه فدبره في الظلمات، ونقله من نطفة إلى علقه إلى مضغة إلى أن كان جسدًا، ثم نفخ في الروح، وقدر أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد" [ينظر: تفسير ابن كثير ٨/ ٣٢٢]، [تفسير السعدي (ص: ٩٠٤]
قال تَعَالَى:﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾[المرسلات:٢٠ - ٢٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾[عبس:١٨–١٩]، وقال ابن مسعود : حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق،» قال: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ«.
وتقدير الأرزاق بين عباده فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، كل ذلك بمقدار لا يزيد عنه ولا ينقص، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ« إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾[الشورى: ٢٧]
وقدر إنزال المطر، فينزله بقدر ما يكفي الخلائق، فلا ينقص بحيث لا يكفي الأرض والأشجار فلا يحصل به المقصود، ولا يزيد زيادة لا تحتمل، فتتلف المساكن، وتموت معه النباتات والأشجار، بل أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾[المؤمنون: ١٨]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾[الزخرف: ١١]، [تفسير السعدي ص: ٥٤٩ - ٧٦٣]
وقدّر الزروع والحبوب وغيرهما مما يخرج من الأرض كالمعادن والجواهر ونحو ذلك، قال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] [ينظر: تفسير الطبري ٢١/ ٤٣٧]
وتقدير الموت بين الخلائق فعجله لبعض الخلق، وأخره عن بعض إلى أجل مسمى، فإذا جاء لم يتقدم ولم يتأخر عما قدر الله، قال سُبْحَانَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] (٤).
وتقدير الهداية والضلالة على الخلائق، فهدى من شاء، وأضل من شاء، وأسعد من شاء، وأشقى من شاء، وقدر من شاء للجنة برحمته، وقدر من شاء للنار بعدله، وقدر نعيم أهل الجنة حتى قدر شراب أهلها، قال تَعَالَى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦]، فقدرت على قدر ريِّ أهلها فلا تزيد ولا تنقص؛ لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم تف بريهم، وقدر عذاب أهل النار فلا يزاد فيه ولا ينقص عما شاء. [ينظر: تفسير السعدي /ص:902]
وأما كمال المقتدر:
فتقدير الله جل جلاله كامل لا نقص فيه ولا خلل؛ وذلك أنه قائم على العلم والكتابة السابقتين، والمشيئة التي لا تنفك عن حكمه، والخلق العام.
فالله سُبْحَانَهُ قدر الأشياء؛ بناء على ما علم من حالها، وما يصلح لها؛ فعلم سُبْحَانَهُ من يصلح للفقر ولا يصلح للغنى، ومن يصلح للمرض ولا يصلح للعافية، ومن يصلح للعقم ولا يصلح للولد، وعلم ضد ذلك فقدر فلم يخرج تقديره عن حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى :٢٧] أي: "لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلمًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، كما في بعض الآثار أن الله تَعَالَى يقول: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير" [تفسير السعدي ص:٧٥٨].
ثم كتب سُبْحَانَهُ ما علم في اللوح المحفوظ، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ: »إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ«، ثم إنه شاء ما كتب، فخلق الخلق بناء عليه، ووزع أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدة بناء على ما كتب. [ينظر: تفسير الطبري ٢٠/ ٢٧٧].
فكل شيء كائن كما علم، وكتب، وشاء، وخلق، فما شاء كان ولو حاول منعه كل ممانع، وما لم يشأ لم يكن ولو حاول إيجاده كل موجد، وقدره نافذ لا محاله، قال تَعَالَى:﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾[الأحزاب:٣٨].
قال ابن كثير: "وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" [تفسير ابن كثير٦/ ٤٢٧]
دلالة اسم الله "المقتدر" على التوحيد: -
إذا تأمل العبد في ضعفه وضعف المخلوقات من حوله وعجزهم؛ إذ لا يملك أحد منهم قدرة على الخلق، ولا النفع، ولا الضر، ولا العطاء، ولا المنع، ولا النصر، ولا الامتناع كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[المائدة: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾[الفرقان: ٥٤ – ٥٥]، وقال:﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنعام:١٧]، فالكل فقير مملوك لله، نفذت فيه قدرته ومشيئته.
فإذا تؤمل هذا عُلِمَ أن من هذا حاله لا يستحق شيئًا من العبادة، وإنما العبادة حق للقادر القدير المقتدر لا إله إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾[الحج:٦]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الشورى:٩]. [تفسير السعدي ص: ٢٢٦ - ٢٥٢ - ٥٨٥]
الإيمان بالقضاء والقدر: -
إذا علم العبد اسم الله "المقتدر" وتيقن ما فيه من تقدير نافذ، وقضاء كائن بلا ممانعة ولا مدافعة؛ قاده ذلك للإيمان بالقضاء والقدر الذي هو أصل عظيم من أصول الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾[القمر:٤٥]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾[الأحزاب: ٣٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾[الفرقان: 2]، وقال ﷺ في حديث جبريل الطويل لما سئل عن الإيمان: »أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلائِكَتِه، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآَخِر، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ«
قال ابن عباس: "القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله، وآمن بالقدر، فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحد الله تَعَالَى، وكذب بالقدر؛ نقض التوحيد".: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[البقرة: ٢٨٢]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾[الأنعام:٥٩].
الإيمان بأن الله كتب أحوال الخلق وتفصيلاتها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة:
قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[الحج: ٧٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾[القمر: ٥٣]، وقال ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: »إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ «.
الإيمان بأن كل ما حدث في الكون ويحدث بمشيئة الله وإرادته كونًا، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن: -
قال تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[الإنسان: ٣٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[التكوير: ٢٩]، وقال تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الأنعام:٣٩]
الإيمان بأن الله جل جلاله خلق كل شيء
قال تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[الفرقان:٢]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[الزمر:٦٢].
فكل شيء مخلوق لله: السموات، والأرض، والبحار، والأنهار، والكواكب، والشمس، والقمر، والإنسان وعمله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾[الصافات:٩٦]، قال ابن كثير: "يحتمل أن تكون (ما) مصدرية، فيكون تقدير الكلام: [[والله خلقكم وعملكم]]، ويحتمل أن تكون بمعنى (الذي)و تقديره: [[والله خلقكم والذي تعملونه]]، وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب "أفعال العباد" عن حذيفة مرفوعًا قال: (إِنَّ اللهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ" [تفسير ابن كثير ٧/ ٢٦]
فمن آمن بهذه المراتب الأربع آمن بالقدر الذي من ثمراته: الرضى والتسليم لتقدير الله خيره وشره، وحلوه ومره، لا سيما إذا اقترن مع هذا الإيمان استشعار لعلم الله التام، وحكمته البالغة، ورحمته العظيمة التي صدر عنها هذا التقدير، واستشعار أن الجزع والسخط لا يرد من القدر شيئًا، وإنما يفوت على العبد الأجر والمثوبة، ويعود عليه بالوبال والخسارة.
قال ابن القيم: -
"من ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنى وأمنًا وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا: امتلأ قلبه بضد ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه" [مدارج السالكين، لابن القيم ٢/ ٢٠٢]
ومن ثمراته- أيضًا- سلامة القلب من الحقد والحسد ونحوهما من أمرض القلوب؛ ذلك لإيمان صاحبه بأن الكل بتقدير الله ﷿، وأنه سُبْحَانَهُ هو الذي أعطى ومنع، فالفضل فضله، والعطاء عطاؤه، وله في ذلك الحكمة البالغة، والمنة العظيمة. [فقه الأسماء الحسنى، للبدر ص: ٢٥١]
التوكل على المقتدر والثقة به: -
إذا آمن العبد باسم الله "المقتدر" وتيقن ما تضمنه من القدرة العظيمة التي لا يعجزها شيء في السماء والأرض، ثم نظر إلى مطالبه ومكارهه، وعلم أنها لا تخرج عن قدرة الله، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة:٢٨٤] حمله ذلك على صدق التوكل على المقتدر، والثقة به في جلب مطالبه، ودفع مكارهه، والتعلق به وحده سُبْحَانَهُ دون ما سواه، قال تَعَالَى:﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الشورى:٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنعام: ١٧] [فقه الأسماء الحسنى /للبدر /ص: ٢٥٠].
كما يحمله- يقينه بقدرة الله- على عدم اليأس والقنوط من رحمته؛ فإنه سُبْحَانَهُ لا يتعاظم عليه شيء مهما عظم وكبر، فلا يتعظم عليه أن يغفر الذنوب ولو كانت كالجبال بل قادر سُبْحَانَهُ على أن يبدلها حسنات، ولا يتعاظم عليه أن يرفع بلاء أو يكشف مصاب أو يدفع ضرًّا، فهو القادر سُبْحَانَهُ على أن يبدل المرض عافية، والألم راحة، والسهر نومًا، والخوف أمنًا، والفقر غنًى، والجوع شبعًا، والضعف قوة، والهزيمة نصرًا، وهو على كل شيء قدير.
وهذا اليقين بقدرة الله يحمل العبد- أيضًا- على الثقة بنصره تعالى للمسلمين؛ إذ قدرته لا تعجز عن نصرهم ورفع المصائب والنكبات عنهم مهما كان ضعفهم وتأخرهم، كما لا تعجز عن قصم عدوهم وكبته مهما كانت قوته وتقدمه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾[الأحزاب:٢٦ – ٢٧]، وقال تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾[الحج:٣٩].
ويحمله على الشعور بالعزة والقوة أمام كيد الكافرين ومكرهم، وذهاب الخوف منهم ومن قوتهم؛ للعلم بأنهم في قبضة الله تَعَالَى وتحت قدرته وقهره.
الخضوع للمقتدر والاستعانة به
جعل الله لخلقه قدره تقوم بها حياتهم، كما قال سُبْحَانَهُ في إثباتها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[المائدة:٣٤]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾[يونس:٢٤]، إلا أن قدرة المخلوق مهما بلغت لا تعدل شيئًا أمام قدرة الله، وتوضيح ذلك بما يلي:
١ - قدرة المخلوق مسبوقة بالعجز والضعف، كما في حال الطفولة؛ فالطفل في بداية ولادته لا يستطيع أن يدفع عن نفسه قليلًا ولا كثيرًا
أما قدرة الله "المقتدر" فأولى وآخرة، لا بداية لها ولا نهاية.
٢ - قدرة المخلوق مكتسبة من إقدار الله له، وليست قدرة مستقلة.
بخلاف قدرة الله "المقتدر" فقدرته ذاتية مستقلة لم يكتسبها من أحد.
٣ - قدرة المخلوق ناقصة، يعوزها المساعد والمعاون والمستشار والخبير.
بخلاف قدرة الله "المقتدر" فقدرته كاملة تامة لا تحتاج إلى أحد كائنًا من كان.
٤ - قدرة المخلوق محدودة ببعض الأشياء دون بعض.
بخلاف قدرة الله"المقتدر" فقدرته عامة لكل شيء، قال تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾[الكهف: ٤٥]
٥ - قدرة المخلوق فانية، ومهددة بالزوال.
بخلاف قدرة الله "المقتدر"، فقدرته دائمة مستمرة لا زوال لها ولا نهاية.
فإذا علم العبد هذا خضع لله، ولم يغتر بقدرته أو يستقل بها في أموره، بل يشعر دومًا بحاجته وفقره لقدرة الله "المقتدر"، كما جاء في دعاء الاستخارة: »اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ«.
وهذا الشعور يثمر الاستعانة بالله "المقتدر"، وتمام الالتجاء إليه، كما أوصى رسول الله ﷺ ابن عباس والأمة من وراءه بذلك، فقال: »يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: »الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ«.
فبيّن ﷺ في هذا الحديث أن الإنسان لا يدرك مطالبه من أمور الدين أو الدنيا بالعمل والسعي الجاد في تحصيلها فقط، بل لا بد أن يعطف على سعيه الاستعانة بالله؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ولو صغرت، ودفع مضاره ولو سهلت، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله. [ينظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب ٢/ ٥٧٢ /وفقه الأسماء الحسنى، للبدر ص: ٢٥١]
محبة الله القادر القدير المقتدر
إذا تأمل العبد في اسم الله "المقتدر"، واستشعر كمال قدرته وتقديره؛ فلما قدر حلم، ولما قدر عفا وغفر، ولما قدر عدل ولم يظلم، ولما قدر لم يعجز عن شيء البته، ولما قدّر قدّر عن علم وحكمة ورحمة، قاده ذلك كله لمحبته والتعلق به، لا سيما وقد فُطرت القلوب على محبة من له الكمال.
الحذر من الظلم
إذا آمن العبد بقدرة الله "المقتدر"، على الخلق عمومًا، وعلى الظالمين خصوصًا، كما
جاء عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: »اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ« فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: »أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ، لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ«.
وعلم انتقام "المقتدر" سُبْحَانَهُ للمظلوم من ظالمه، كما جاء في جملة من الأحاديث، منها:
حديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ»دَعْوَةُ المَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: [[وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ]]«
حديث معاذ بن جبل وفيه قول رسول الله ﷺ له: »اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ«
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:» أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ«
حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: »مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ«.
إذا علم العبد ذلك ردعه ذلك كله عن العدوان والظلم، لا سيما ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كما يدفع الظالم للتوبة والاستغفار والخروج من مظالم الخلق في الدنيا قبل التقاصِّ يوم القيامة.
الدعاء باسم الله المقتدر، و الاستعاذة بقدرته
كل إنسان له مطالب يرغب في تحصيلها، ومخاوف يرغب في دفعها، والكل تحت قدرة الله ﷿، لا يخرج عنها شيء، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[النور:٤٥]، ولا يقدر العبد على ما في يد الله إلا بسؤاله ورجائه، كما قال مطرف بن الشخير: تذكرت ما جماع الخير، فإذا الخير كثير: الصوم والصلاة، وإذا هو في يد الله، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير الدعاء[ ينظر: فقه الأسماء الحسنى، للبدر /ص: ٢٥٢]
فإذا علم العبد هذا وتيقنه؛ أدام سؤال الله حاجته، وأكثر من دعائه، لا سيما باسمه "المقتدر" الذي أرشدنا رسول الله ﷺ لسؤال الله به في جملة من الأدعية والأذكار، منها:
دعاء الاستخارة، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: »إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ«.
الذكر ما بين التشهد والسلام، فعن عطاء بن السائب، عن أبيه قال: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ، أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللهمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللهمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ. »
رقية المريض، فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ الله ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِالله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ.«
اللهم إنا نسألك بقدرتك، أن تستعملنا في طاعتك، وتسخر ما أوليتنا به من قدرات في مراضيك ومحابِّك.