استحضار معية الله «المُهَيْمِن» ﷻ ومراقبته؛ فيدفعه ذلك إلى الاهتمام بقلبه، ويراقب ما يَرِد على قلبه، فينتج من ذلك إصلاح قلبه من كل ما يقع فيه من خواطر سيئة، وهواجس شيطانية خبيثة؛ لأنه محل مراقبة الله، ونظرة المهيمن الرقيب.
التوكل على الله والثقة فيه وحده -جل وعلا-؛ فإن العبد إذا عرف أن الله هو «المُهَيْمِن» انقطعت آماله ممن سواه، فلا يتوسل لغيره ولا يتوكل إلا عليه, ولا يثق إلا فيه, ولا يستعين إلا به, ولا يلجأ إلا إليه، فمادام الله هو المهيمن لا شريك له فيجب أن تثق بالمستقبل، وتثق أن الله -عز وجل- ما دمْت لم تبدل فلن يبدل، وما دمت على طاعته قائما فأنت من خير إلى خير، ومن درجة إلى درجة، ومن منزلة إلى منزلة، ومن رقي إلى رقي.
الخوف من «المُهَيْمِن» الذي بيده مقادير كل شيء، ومطلع ومحيط ومقتدر على كل شيء، عليم بكل شيء، فليس له في كونه شريك أو ند أو نظير، فلا تخف من بشر وأنت في كنف "المهيمن", والمهيمن قوي؛ ولأنه قوي أمِن مَن حوله من الخوف.
وأعداء المسلمين مهما كانوا أقوياء فهم بيد الله ﷻ، وفي قبضته، قال تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:56]
وليس في قبضته عامة البشر فحسب، بل حتى الملوك داخلون في قبضته ويخضعون لهيمنته: فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مَالِكُ الْمُلُوكِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ فِي يَدِي، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي حَوَّلْتُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْطَةِ وَالنِّقْمَةِ فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ، وَلَكِنِ اشْتَغِلُوا بِالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيَّ أَكْفِكُمْ مُلُوكَكُمْ".
هذا يدفع المسلم الصادق الموحد لله بتوحيده في اسمه المهيمن لأن يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، ويدفعه ذلك إلى أن يعتز بعزة الله، ويستعين به دون غيره، لأنه يستمد قوته من المهيمن على العالم كلّه، آخذا بأسباب القوة.
استشعار العظمة الإلهية في هيمنته على الكون كله من عرشه إلى أرضه, هيمنة علم وقدرة وإحاطة تامة, قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:61]
الإيمان الجازم بأن الله -تعالى- متصف بكل كمال وجلال, منزه عن كل عيب ونقص، وأن اسمه «المُهَيْمِن» يجمع بين علمه التام، وقدرته الشاملة، ورحمته الواسعة، مما يولد تعظيمه في النفوس, ومحبته في القلوب, والانصياع له بالجوارح, والرغبة في لقائه، وعدم القلق، والطمأنينة، فكلما زاد علمك بالله ستزداد سكينتك، ويقينك، وطمأنينتك، وهذا أمران مطردان: زيادة العلم به، والسكينة والطمأنينة واليقين.
إيمان العبد بأن الله هو القادر وأن كتابة الآجال بيده وحده، وتقسيم الأرزاق له وحده، ومصلحة العباد تابعة لعلمه، فلو أتت خلاف ما يحب العبد، فيظهر ساعتها إيمانه بــــــ «المُهَيْمِن» ﷻ ، إذ أن إيمانه بهيمنة المهيمن، إنما هي تابعة للإيمان برحمته، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 116] فالخير كل الخير في قضائه، والمصلحة فيما كتبه لك، وليطمئن قلبه إلى ما كتبه الله له، فالله المهيمن يعلم الخير ويقدره للعبد بقدرته سبحانه وتعالى، فليرض بما قسمه الله له، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك: 14]
الإيمان بأن كتاب الله مهيمن على غيره من الكتب وجاء ذلك بنص القرآن، وفي هذا إشارة إلى كمال التصديق بما في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، ومعنى قوله ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: "أمينًا عليه يحكم على ما كان قبله من الكتب" [تفسير الطبري6/ 267]
وإنما كان القرآن مهيمنًا لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخًا البتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ويحتمل معنى آخر وهو: مهيمنًا عليه، بأنه مشهود عليه من عند الله بأنه يصونه عن التحريف والتبديل، فهو الكتاب المحفوظ في الصدور، الميسر على الألسنة، المهيمن على القلوب، المعجز لفظًا ومعنى، ولهذا جاء في صفة هذه الأمة: أناجيلهم في صدورهم.
الحرص على الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، سواء ذنوب القلوب أو ذنوب الجوارح.
الثقة بالرب جل وعلا، وتفويض الأمر إليه، وعدم الخوف من الخلق.
عدم القلق والطمأنينة، لأن الإنسان يؤمن بأن الله تعالى كامل القدرة والاستيلاء, وهو العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، فكلما زاد علمك بالله ستزداد سكينتك ويقينك، وطمأنينتك، وهذان أمران مطردان، وزيادة العلم تورث السكينة والطمأنينة واليقين
مراقبة الله في السر والعلانية والخوف منه وإجلاله وتعظميه.
فإذا علم العبد أن الله عز وجل مطلع على ما قام في قلبه، مطلع على أفعاله، شهيد عليه حافظ له هذا الفعل؛ سيحاسبك عنه ؛ ساعتها سيهتم بمراقبته, إذا كان هو له رقيب.
سبحانك ربَّنا العظيم، ما أعظم سلطانك، وما أكمل هيمنتك المطلقة على كل شيء في هذا الوجود، لا يفتك منها أي مخلوق صغر أم كبر، دقَّ أم عظم.
ننزهك ربَّنَا العظيم عن كل ما لا يليق بجلالك وسلطانِك، ونُقِر لَكَ وحدَكَ بسموِّ أسمائِكَ وكمالِ صِفاتِكَ، ونعترفُ لكَ بجليل فضلِكَ وإِحسانِكَ وكرمِكَ، بقلوبِنا وألسنتنا وجوارِحنَا، ونشهدُ بأنَّكَ وحدَك المستحق ِلأن تُشْكَرَ فلا تُكْفَر، وتُذْكر فلا تنسى، وتُطاع فَلا تُعْصَى.