الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوتر) من صفاته سبحانه، وتحقيق التوحيد له:
الله تعالى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعا، وقد خلق الله المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ [الذاريات:٤٩]، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته، ولا يشعر بالسعادة إلا مع أسرته، والتوافق بين محبتهم ومحبته.
أما ربنا فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، لا ولد له ولا والد ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد﴾ [الإخلاص:1- 3] ولم يتخذ صاحبة: ﴿ولم تكن له صاحبة﴾ [الأنعام:١٠١] ﴿يكن له شريك في الملك﴾ [الإسراء:١١١]
وقد ثبت من حديث أبي هريرة: ((إن الله وتر يحب الوتر))
وكما أنه وتر في ذاته سبحانه، فهو الوتر الذي انفرد في صفاته، فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل، وهو الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا ينام، والواحد الأحد الذي لا يشبهه أحد من الخلق، فهو ﷻ: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى:١١]، وقد قال سبحانه عن نفسه: ﴿هل تعلم له سميا﴾ [مريم: ٦٥]، ومن آمن بهذا أفرد الله بالعبادة، ووحده ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ [النمل:٩١]
وهو سبحانه منزه عن المشابهة والمماثلة، فهو الوتر الذي لا مثيل ولا شريك له، ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ [الإسراء:١١١]، ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا﴾ [مريم:٦٥]، وهو سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، فالله جلَّ جلاله لا يشبهه شيءٌ من المخلوقات؛ قال سبحانه: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27]، وقال سبحانه: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88]، فلا يصح أبدًا مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري.
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: 60]؛ أي: الوصف الذي لا يشبه وصفٌ غيره، فلا يوصف ربنا بصفات المخلوقين، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: 74]؛ أي: لا تجعلوا لله الشبيه والمثل، فسبحانه لا شبيه له، ولا مثيل له؛ فذاته لا تشبه الذوات، وصفاته لا تشبه الصفات.
وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام100] تنزيهٌ وتقديسٌ لله تعالى عن كل وصفٍ يخطر ببال بشرٍ.
قال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه110]، ولو كان له مثيل؛ لأحاطت به علوم البشر؛ ولكنه سبحانه تنزَّه وتقدَّس عن كل وصف يجول في رأس إنسان.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر، فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن، فليس دونك شيءٌ))، وإذا لم يكن قبله شيءٌ، ولا بعده شيءٌ، ولا فوقه شيءٌ، ولا دونه شيءٌ، فكيف يكون له شبيهٌ أو نظيرٌ أو ندٌّ؟!
الأثر الثاني: استشعار أن كثير من العبادات والطاعات شرعت وترا:
يقول القرطبي معلقا على حديث: ((وهو وتر يحب الوتر))، الظاهر أن الوتر هنا للجنس؛ إذ لا معهود جرى ذكره حتى يحمل عليه، فيكون معناه أنه: يحب كل وتر شرعه، ومعنى محبته له: أنه أمر به، وأثاب عليه …
قال أبو العباس القرطبي: والوتر يراد به التوحيد، فيكون المعنى: إن الله- في ذاته وكماله وأفعاله- واحد، ويحب التوحيد، أي: يوحد ويعتقد انفراده دون -خلقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، وظاهره، وباطنه [[ المفهم/7-18 ]] ومن تأمل في كثير من العبادات والأعمال الصالحة وجدها شرعت وترا، ولنقف على بعض العبادامن ذلك:
أولا: أركان الإسلام وما يتعلق بها:
جعل الطهارة ثلاثا:
عن سلمة بن قيس أن النبي ﷺ قال:» إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر« أي: اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردا، استنج بثلاثة أحجار، أو خمسة، أو سبعة، ولا تستنج بالشفع.
جعل الصلاة خمسا:
عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: »خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له«.
ثانيا: ما يتعلق بعامة السنن:
جعل آخر صلاته ﷺ بالليل وترا:
عن نافع أن ابن عمر قال: »من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا قبل الصبح، كذلك كان رسول الله ﷺ يأمرهم«
كان ﷺ يأكل التمرات وترا:
فعن أنس بن مالك قال: »كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم الفطر لم يخرج حتى يأكل تمرات يأكلهن إفرادا«
الأثر الثالث: محبة الله الوتر: -
الله سبحانه هو الوتر الأحد، الذي تصمد إليه الخلائق في حاجاتها وضروراتها، وهو القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، والمتصرف في كل شيء.
وهذا الشعور يولد المحبة لله تعالى وحده، ويريح القلوب من شتاتها، واضطرابها، ويجعلها تسكن إلى ربها ومعبودها، وتقطع التعلق بمن لا يملكون شيئا، ولا يقدرون على شيء، إلا بما أقدرهم الله عليه، ولا يملكون لأنفسهم ضرا، ولا نفعا، فضلا عن أن يملكوه لغيرهم!
الأثر الرابع: ((فأوتروا))
يقول النبي ﷺ: »إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن«. قال الطيبي في كتابه شرح المشكاة: »أي: صلوا الوتر، ثم علل بتعليل لطيف لما خص الأمر بالوتر لأهل القرآن«، حيث قال: »المراد بأهل القرآن: المؤمنون الذين صدقوا القرآن، وخاصة من يتولي القيام بحفظه، وتلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه«. [شرح مشكاة المصابيح ٤/ ١٢٢٤] وصلاة الوتر سنة مؤكدة، وقتها: ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، يقول ﷺ: »إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم؛ الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر«
وأقل الوتر ركعة واحدة، وأدنى الكمال ثلاثا، وأكثره ثلاث عشرة ركعة، ويجوز بما بين ذلك من الأوتار؛ لقول النبي ﷺ: »الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة« الأثر الخامس: سؤال الله باسمه "الوِتْر": - يُسأل الله تعالى باسمه "الوِتْر" لفظًا أو معنًى، كما في حديث محجن بن الأدرع السلمي قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، إذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد، فقال: "اللهم إني أسألك يا ألله، بأنك الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »قد غفر الله له ثلاثًا«
الأثر السادس: أن يحب العبد هذه الصفة:
جاء في الحديث: ((إن الله وترٌ يحبُّ الوتر))؛ أي: يحب كل وترٍ شرعه، ومحبته له أنه أمر به، وأثاب عليه، وخصصه بذلك لحكمةٍ يعلمها.
ويدخل في معناه: محبة السبق إلى الخيرات؛ حتى يتفرَّد فيها عمَّن دونه، كما في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة10]، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:21].
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((سبق المفردون))، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات))
فأثر الاسم على العبد يتجلَّى في أنْ يسبق العبد إلى البرِّ حتى يكون فيه فردًا. كذلك أثر الاسم على العبد يتجلَّى في محبته الوترية كما أحبَّها الله سبحانه؛ فيتوضأ وترًا، ويغتسل وترًا، ويجعل آخر صلاته بالليل وترًا، ويشرب وترًا، ويأكل - ما أمكن - وترًا، وهكذا.