التفسير التحليلي لآية الكرسي ( الحي)

الشيخ/ أحمد الشوبكي

من له الحياة الأزلية الأبدية الكاملة الذاتية ، التي لم تسبق بعدم ولاتعقب بفناء 

قال الإمام الطبري في  تفسيره{ الحى) الذى له الحياة الدائمة والبقاء الذى لا أول له ولا آخر له بأمد إذ كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها }[1] 

{ الحى : الذى له جميع معانى الحياة الكاملة من السمع و البصر والعلم و القدرة  والإرادة و غيرها  } [2]

ومن هنا فهناك فارق بين حياة المخلوق وحياة الخالق ،  فحياة الله تعالى ذاتية ، وحياة جميع المخلوقات من الله تعالى، وحياة الله تعالى أزلية  ، وحياة المخلوقات حادثة ، وحياة الله تعالى لاتفارقه وحياة المخلوقات لاتلازمها ، وحياة الله تعالى لاحد لها ولاأمد لها ولامنتهى لها ، وحياة المخلوقات محدودة منتهية بانتهاء الآجال .

وحظ العبد من هذا الاسم أن يعمل للحياة  الحقيقية ، الحياة الباقية  ، في الدار الآخرة

قال تعالى في سورة العنكبوت : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

{64} 

وقال تعالى في سورة الفجر : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى {23] يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي {24}

 ولا سبيل إلى هذه الحياة الحقيقية الحياة الهادئة الهانئة الراضية المرضية الحياة الطيبة التى لاسبيل إليها إلا بالاستجابة لنداء الحق .

قال تعــالى  :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُم

[سورة الأنفال 24]

 

 وقال      مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون

[سورة النحل  96 ]

     وعـن معنى الحياة الطيبة يقول الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين [ وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضا والرزق الحسن وغير ذلك والصواب أنها حياة القلب ونعيمه ، وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ، ومحبته ، والإنابة إليه والتوكل عليه ، فإنه لاحياة أطيب من حياة صاحبها ولا نعيم فو ق نعيمه إلا نعيم الجنة ،كما كان  بعض العارفين يقول :إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقال غيره : إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً ، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح فإنه ملكها ، ولهذا جعل الله الحياة الضنك لمن أعرض عن ذكره ، وهي عكس الحياة الطيبة ][3]

ومن الأشياء المجربة أن من داوم على ذكر  يا حي يا قيوم ) أورثه ذلك حياة القلب وصفاءه وحياة العقل وتوقده  


المراجع

  1.   - جامع البيان للطبري 3/387 بتحقيق أحمد شاكر ، والأمد الغاية التي ينتهي إليها  و الممدود من مد له في كذا : أي طول له فيه ،أو من المدة وهي الطائفة من الزمان ، ومنه ماددت القوم أي جعلت لهم مدة ينتهون إليها  
  2. تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن للشيخ السعدى 1/218
  3. مدارح السالكين 3 / 270 ، 271 


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ التفسير التحليلي لآية الكرسي ( الحي)