حول مفهوم (الجمالية) في الإسلام من الترتيل إلى التشكيل

الشيخ/ فريد الأنصاري

 

الإنسان جميل!.. بل هو أجمل مخلوق في الأرض! وتلك حقيقة طبيعية. ثم إن مصادر الدين في الإسلام تحدثنا أن الله قد خلق الإنسان في أجمل صورة وأحسنها!..

 

وقارن بينه وبين سائر الحيوانات – وهي غاية في الجمال – ظاهراً وباطناً!

قال عز وجل {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

(غافر:64)

وصح عن النبي قوله: (خلق الله آدم على صورته)

، ثم جعل له الكون من كل حواليه جميلاً، وحسنه تحسينا.. عساه يكون في تدينه حسناً جميلاً!

قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}

(الكهف:7)

فالزينة الكونية مبعث وجداني للتحلي بالزينة الإيمانية!

 

إن الناظر في هذا العالم الكوني الفسيح، يدرك بسرعة أن الإنسان يعيش في فضاء فني راق، بيئة واسعة بهية، هي آية من الجمال الذي لا يبارى! بدءاً بالأرض حتى أركان الفضاء، الممتدة بجمالها الزاخر في المجهول، تسير في رونق الغرابة الزاهي.. إلى علم الله المحيط بكل شيء!

ومن ذلك قوله سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}

(الحجر: 16)

وجعل الأرض الحية تتنفس بالجمال؛ نِعَماً لا تحصى ولا تنتهي..

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}

(الأعراف: 32).

وأرشد ذوق الإنسان إلى تبين معالم هذا الجمال في كل شيء:

{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ}  

(النحل: 5- 8)

ثم انظر إلى هذا الجمال المتدفق كالشلال، من الآيان التاليات! يقول سبحانه بعد الآية السابقة بقليل، في سياق الْمَنِّ بهذه النعم الجميلة الجليلة:

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}  

(النحل: 10- 18).

إنها صورة كلية شمولية، ذات ألوان وأنوار حية متحركة! إنها (بانوراما) كاملة للأرض بتضاريسها وبحارها، وأشجارها، وأنهارها، وأحيائها جميعاً، ثم بفضائها الرحب الفسيح! بما يملأ ذلك كله من حركة الحياة، والنشاط الإنساني بكل صوره، مما أتيح له في هذه الأرض وفضائها من المسخرات الحيوية. هذا كله هو قصرك الزاهي أيها الإنسان ومجالك الواسع، محاطاً بكل آيات التسخير وكرامات التدبير، المتدفقة بين يديك بكل ألوان النعم والجمال؛ لتصريف العمر كأعلى ما يكون الذوق، وكأجمل ما تكون الحياة!

 

وفي سورة الأنعام صور تنبض بجمال الخصب والنماء، جمال أرْضِيّ لا يملك معه من له أدنى ذرة من ذوق سليم؛ إلا أن يخضع لمقام الجمال الأعلى.. الجمال الرباني الغطيم!

قال جل جلاله: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}

(الأنعام: 99).

ويلحق بها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}

(فاطر: 27-28).

 

فالصورة تبتدئ – في الآيات الأولى ثم التي بعدها – من لحظة نزول المطر، إلى لحظة خروج النبات والشجر من التربة الندية، إلى مرحلة خروج الحب المتراكب في السنابل، وخروج القِنْوَان، أي: العراجين والعُذُوق المثقلة بالفاكهة، بجمالها وبمائها، ثم ما يلامسها بعد ذلك من نضج وينع، فتراها – وقد تهيأت للقطاف – متدليةً خلال خمائل الجنات والبساتين، ناظرة إلى الناس في دلال خلاب! والآيات لا تغفل الحركة الحية للألوان، في تطورها من الخضرة إلى سائر ألوان النضج والينع، مما يتاح للخيال أن يتصوره – تَوَرُّدا واصْفِرَاراً واحْمِرَاراً واسْوِدَاداً.. إلخ – في الزروع، والتمور، والأعناب، والزيتون، والرمان.. ونحوها، إلى ما يحيط ذلك كله، أو يتخلله، من ألوان الجبال وجُدَدِهَا، وهي مسالكها أو خطوطها التواءتها المتشكلة منها، وهي غالباً ما تكون ذات انحناءات مختلفة الألوان، كما قال الله تعالى: (بيض وحمر)، إلى ما يزينها من غرابيب سود، وهي الصخور الناصعة السواد! إلى حركة اللون المنتشرة هنا وهناك في الحيوان والإنسان! مما لا يملك المؤمن معه إلا أن يكون من الساجدين لمن أفاض على الكون بهذا الجمال كله! الجمال الحي المتجدد! وإنها لآيات تربي الذوق الإنساني على جمالية التوحيد والتفريد، مما تعجز الأقلام والألوان على تجسيد صورته الحية النابضة! وأي ريشة في الأرض قادرة على رسم الحياة!؟

 

وإنني لو قصدت إلى استقصاء جماليات القرآن الكريم من السور والآيات؛ لجئت به كله! فهذه عباراته الصريحة، وإشاراته اللطيفة كلها.. كلها مشعة بتوجيهات ربانية لتربية الذوق الإنساني؛ حتى يكون في مستوى تمثل مقاصد الدين البهية، بتدينه الجميل! فهل عبثاً نص القرآن على جمالية الكون والنعم والحياة؟ وهل عبثا نبه القرآن الحس البشري الإسلامي، وربَّاه لالتقاط دقائق الحسن والبهاء في مناظر الفضاء، والأرض، والجبال، والشجر، والنبات، والبحار، والأنهار، والأنوار، والأطيار؟

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ حول مفهوم (الجمالية) في الإسلام من الترتيل إلى التشكيل