غرائب الشيوعية

دكتور / هيثم طلعت علي سرور

 

إحدى غرائب الشيوعيـة هي اعتبار أن السُلطة الزوجية هي إحدى صور البرجوازية أو التحكم التي ينبغي إلغاؤها في الدولة الشيوعية يقول فردريك أنجلز في مباديء الشيوعية principles of communism  السؤال 21 ما يلي :- ( سيتمكن المُجتمع الشيوعي من التخلص من النظام الأُسري القائم .) فهو أحد صور البرجوازية فإلغاء العائلة وإلغاء سُلطة الزوج على زوجته .. إلغـاء سُلطة الأب على أبناؤه .. القضـاء على أكثر العلاقات حميمية في تاريخ الفكر البشري بدعوى تطبيقة الشيوعية .

إن محاولة تبديل الجينات البشرية والإنتقاص من قيمة الأُمومة والأُبوة والحُضن الأُسري بدعاوى

مهما كان شكلها فمصير هذه الدعاوى إلى الجحيم لا مُحـالة ...

ولذا فقد أرسل أنجلز خطابا إلى كونراد سميت conrad smith في 8 مايو 1890 يقول له :- (  إذا طُبقت الماركسية تطبيقا حرفيـا فإن هُــراء لا يُصدق سينتج عنها  .)

لقد علمتنا الحيـاة أن القوانين تُوضع لكي تنظم غرائز البشر وتتوافق معها لا لكي تحرقها أو تُضاعفها .. وبالتالي فوضع قوانين تُغير طبائع البشر وتعلمهم ما يجب أن تكون عليه غرائزهم هذا نوع من السخافة العقلية واستهلاك الحياة فيما لا يُفيد ....


أيضـا من غرائب الشيـوعية أنه على الرغم من قِصر مُدة ظهورها إن ان هناك اليوم آلاف التيارات الشيوعية وكل تيـار يحارب باقي التيارات يقول مكسيم رودسون الكاتب الماركسي الشهير :- ( الحقيقة أن هناك ماركسيات كثيرة بالعشرات والمئات ولقد قال ماركس أشياء كثيرة حتى الشيطان يستطيع أن يجد فيه نصوصا تؤيد ضلالته .) وكما يقول الأستاذ ثاوني :- (  إن الاشتراكية، كغيرها من التعبيرات المختلفة للقوى السياسية المركبة، كلمة لا تختلف في مدلولها من جيل إلى جيل فحسب، بل من حقبة إلى حقبة .) ويقول مكسيم لوروا في كتابه "رادة الاشتراكية الفرنسية" يقول :- ( لاشك في أن هناك اشتراكيات متعددة، فاشتراكية بابون، تختلف أكبر الاختلاف عن اشتراكية برودون، واشتراكيتا سان سيمون وبرودون، تتميزان عن اشتراكية بلانكي، وهذه كلها لا تتمشى مع أفكار لويس بلان، وكابيه وفورييه، وبيكور ، وإنك لا تجد داخل كل فرقة أو شعبة إلا خصومات عنيفة، تحفل بالأسى والمرارة .)

وهكذا كُل مذهب شيوعي عبارة عن كنيسة مُستقلة فقد انتهت الإشتراكية إلى مُجرد كلمة مُفرغة من المحتوى يستعملها جميع الفُرقاء لجميع المعاني المُتناقضة واصبحت تدل على الشيء كما تدل على نقيضه وأينما دخلت في أي بلد دخل وراءها الدم والرصاص .. إنها جاهلية وقَبلية مادية مُعاصرة ذات أنيـاب ذَرية ومخالب إلكترونية ..

 

أيضـا من غرائب الشيوعية أن ماركس نفسـه تنبـأ بنهايتهـا يقول في نهاية كتابه رأس المال :- ( وإذا أفرز الواقع نظرية تتجاوز ما جاء في رأس المال فمزقوا رأس المال فإنه سيُصبح صالحـا للمتاحف فقط  .) ومع ذلك فإن أتباعه اعتبروا أن منهجه هو الخاتم وأصروا على اعتبـار أن الشيوعية هي المرحلة الأخيرة في تاريخ الحيـاة الإجتماعية للبشرية ...

 

أيضـا من غرائب الشيوعية أن تأميم وسائل الإنتاج وانتزاعها من يد خمسة أو ستة رأسماليين مُستغلين أدى لتسليمها إلى مائة ألف لص في المؤسسات والجمعيات التعاونية ينهبونها وكان هذا هو الواقع المُشاهَد في الدول التي طبقت الشيوعية .. فالمُنتِج الرأسمالي كان على الأقل أُستاذا في مهنته وكان بدافع مصلحته يتفنن ويبتكر ويُبدع ويُعطي المستهلك أقصى إجادة ليحصُل على أقصى ربح ..ونظام التأميم هذا يسد كل أبواب الرزق هذا لو طبقنا التأميم الكامل الذي تعرفه الشيوعية ولا يبقى للناس إلا باب الوظيفة في الحكومة ، وبهذا لا تعود هناك وسيلة لضمان اللقمة إلا النفاق للحاكم والتملق للرؤساء وظهور الإنتهازية والشللية والتبليغ والتخابر والتجسس والعِمـالة بصورة مُضخمة مريعة .

أيضا لقد قضى نظام التأميم على الحِرفية والمهارة وكما يقول خرتشوف في كلمته الشهيرة :- ( إن البقرة التي يملكها صاحبها تُدر مِن اللبن أكثر مِن البقرة التي تملكها الدولة  .) وبالفعل فقد رأينـا روسيا التي تمتلك أكبر حقول القمح في أوكرانيـا تطلب القمح مِن أمريكـا وتفتح بلادها للمصانع الأمريكية .وهكذا ظهر بطء العمل وقلة الإنتاج ونقص الجودة والتضخم واللامبالاة والإتكالية وكلها صفات لصيقة بالشيوعية أينما حلت وحيثما ارتحلت ..!!

 

أيضـا من غرائب الشيوعية أن الأصل الذي تأسست عليه الشيوعية هو أصل غير مادي بالمرة فقد قامت الشيوعية على مُصطلح الإستغلال مقصورا على معناه الأخلاقي والإنساني ومُصطلح الإستغلال وأن أصحاب وسائل الإنتاج يستغلون العمـال هذا المُصطلح يدور في إطار فكرة الخير والشر . وأصبح المستغِل شرا مُشخصا والضحية المستغَلة خيرا مُشخصا فأن تدين الأعمـال الشريرة معناه أنك تعترف بأنها نتيجة الإختيــار الحُر للإنسـان ، وإلا فإن إدانة الشر تكون بلا معنى فإدانة الإستغلال وأن الشر يمكن إزالته والإختيـار الحُر كلها مفاهيم تؤكد أن مُجرد اختزال الحياة والعلاقات بين البشر في مصطلحات مادية مستحيل إطلاقا ... لقد كان ماركس على حق في إدانة الإستغلال -1-  ولكن هذا لا يُمكن أن يتسق مع فكره المادي خاصة عند مَن يُنادون بنسبية الأخلاق مِن الملاحدة . وهكذا لايمكن أن يصير الإنسان ملحدا أو ماديا خالصـا حتى ولو أراد ذلك مِن كل قلبه -2-.

 

المراجع

  1. ولا ننسى اتحاد الصالحين الذي سبق اتحاد الشيوعيين عند ماركس وهو اثر بقي في كتابات ماركس حتى بالإسم ..
  2. استخدم كانط المفهوم الأخلاقي والإختيـار الحُر كدليل راقي على عدم عبثية الحيـاة وأننا في هذه الحيـاة لقيمة راقية وهذا يناقض العبثية الإلحادية .

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ غرائب الشيوعية

  • الشيوعية قبل الإسلام

    محمد أحمد باشميل

    الشيوعية قبل الإسلام :فقال: - وكأنه وجد الحجة – بلى، لقد ثبت في القرآن أن هؤلاء المشركين ينكرون وجود الله فهذا

    28/04/2017 735
  • الرجاء لا يصح إلا مع عمل

    محمد بن ابراهيم الحمد

    الرجاء لا يصح إلا مع عمل: فقد أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل. أما ترك العمل، والتمادي

    26/09/2010 4856
  • أيهـا اليسـاري المُسلم أجب عن هذه الأسئلة ..!!

    دكتور / هيثم طلعت علي سرور

      السؤال الأول :- الإسلام يؤمن بالملكية الفردية بل ويُقدسها ويؤمن بأن الشخص له الحق في امتلاك رؤوس أموال

    09/12/2018 131