المشهد الثاني: في جمالية التعريف القرآني بالله


الشيخ / فريد الأنصاري



توحيد الإلهية في الإسلام متضمن لتوحيد الربوبية. ولا يسلم للإنسان ذاك إلا بسلامة هذا؛ بمعنى أنه إذا كانت (لا إله إلا الله) شهادة على ما في القلب؛ من تعلق بالله وحده، فإنه لا بد أن يكون ذلك مبنياً على المعرفة بالله رباً! أي اعتقاد عقيدة الإسلام فيما يتعلق بذات الله وصفاته سبحانه وتعالى. ونحن هنا إن شاء الله لن نتناول المسألة كما تناولها المتكلمون، وإنما سنعمل على استعراض ما في النصوص القرآنية والحديثية، من لطائف وجدانية في المسألة، لندرك مدى استجابة هذا الجانب العقدي: (الربوبية) لما أصلناه من جمالية العقيدة الإسلامية، ومدى مطابفته لما قامت عليه (الإلهية) من معان قلبية وجدانية.

وذلك أن الإيمان بالله من حيث هو تعالى (إلهٌ) تألهه القلوب؛ إنما هو بسبب الإيمان الحقيقي بالله من حيث هو (رب)، أي سيدٌ أَوْحَدُ لهذا الكون؛ خلقاً وتقديراً وتدبيراً. فالربوبية إذن – لمن عرفها حقاً وصدقاً – جالبة للمحبة؛ لأنه إذا كانت الإلهية – هي عقيدة المحبة وما تفرغ عنها خوفاً ورجاءً، كما أصلنا – مبنيةٌ على (الربوبية)؛ فمعنى ذلك أن الربوبية ذات خواص تجذب إليها القلوبَ فتألهها!

نعم لقد كانت العرب تؤمن بالله رباً، ثم تشرك به عبادةً! أي أنها تشرك به تعالى في ألوهيته، رغم أنها تؤمن به في ربوبيته! ولكن إيمانها ذاك إنما كان إيماناً تصورياً لا معرفة فيه! ولذلك لم ينتج تعلقاً بالله ولا تأليها له.

الله رباً هو بدء تدفق الجمال على عقيدة الإسلام؛ إذ أن جمال الرب عز وحل يفيض من بهاء ذاته تعالى وصفاته. وإنما صفاته تعالى هي صفات الجمال والجلال! إنه النور الخارق الذي لا يطاق! فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام! يخفض القِسْطَ ويرفعه. يُرْفَعُ إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عَمَلِ الليل! حِجَابُهُ النور! لو كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجْهِهِ ما انتهى إليه بصرُه من خلقه!) والسُّبُحَات، جمع سُبْحَة: وهي ما يفيض عن الذات الجميلة من لآلئ النور، ونوابض الحسن، وأشعة الجمال. ومن هنا وصف سبحانه أسماءه – وهي أسماء صفات – بكونها (حسنى)! إنها أنوار متدفقة من مشكاة الله ذات البهاء الدري.

الله.. هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. سبحانه وتعالى علواً كبيراً. إنما عرفه الإنسان أول ما عرفه (ربا) فلما عرف منه تعالى ما عرف، ألهه قلبه فعبده! إن أول نعمة إلهية ظاهرة فاضت أنوارها على الإنسان؛ من مشكاة أسماء الله الحسنى: (الخالق) و (البارئ) و (المصور)، وما إليها من الأسماء والصفات؛ كانت هي خلق آدم عليه السلام! ثم توالت عليه بعد ذلك النعم تترى.. مما لا يحصى ثناء وشكراً! رزقاً ورعاية وهداية.. إلخ. ولذلك وجب أن يكون أول ما ينطق به الإنسان – أي إنسان – في حق ربه سبحانه وتعالى هو الحمد والشكر أولاً، وقبل أي شيء! ومن عجيب أمر الله الكوني سبحانه، أن أول كلمة نطق بها آدم عليه السلام بُعَيْدَ ما انبعث فيه الروح هي (الحمد لله رب العالمين)! حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً، فقال: (لما نفخ الله في آدم الروح، فبلغ الروح رأسه عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" فقال له تبارك وتعالى: "يرحمك الله").

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ المشهد الثاني: في جمالية التعريف القرآني بالله

  • يوسف عليه السلام _ الجزء الثاني

    فريق عمل الموقع

    المشهد الثاني: بدأ الموضوع ينتشر.. خرج من القصر إلى قصور الطبقة الراقية يومها.. ووجدت فيه نساء هذه الطبقة مادة

    02/12/2009 8330
  • يوسف عليه السلام _ الجزء الثالث

    فريق عمل الموقع

    ويبدأ فصل جديد من فصول حياة يوسف عليه السلام: بعد ما رأى الملك من أمر يوسف. براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك.

    02/12/2009 5903
  • يوسف عليه السلام

    فريق عمل الموقع

    نبذة: ولد سيدنا يوسف وكان له 11 أخا وكان أبوه يحبه كثيرا وفي ذات ليلة رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين،

    02/12/2009 8267
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day