نفحات قرآنية .. في سورة البقرة (2)

الشيخ محمد بن صالح الشاوي

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 93].

قال الشيخ المفسر محمد متولي الشعراوي: إنهم قالوا: (سمعنا وأطعنا)، ولكنهم لم يطيعوا، فحكى الله فعلهم وهو العصيان وترك قولهم: (أطعنا).


• • • •


قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 94].

نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن تمني الموت، ولكن هذا تحدي لهم إن كان زعمهم صدقًا فليتمنوا الموت، ولم يفعلوا لأنهم كاذبون، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الجمعة: 6]، فلم يتمنوا الموت؛ لأنهم يعرفون أنهم كاذبون.

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره: وهذه مباهلة من طرف واحد.


• • • •


قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 115].

سئل الشيخ ابن عثيمين عن هذه الآية فقال السائل:

إنه يفهم منها أن الله في كل مكان، ومثلها قوله تعالى:  ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ [الزخرف: 84].

فقال: إن من يقول: إن الله في كل مكان؛ كافر، ثم قال: هذه آيات متشابهة قد يفهم منها ما ذكره السائل، وقال: إن المجمل يحمل على المفصل، والمتشابه يحمل على المصرح الموضّح.

ثم ذكر الآيات التي تثبت استواءَه على العرش، وحديث الجارية التي سألها الرسول: "أين الله؟"[3] فقالت: في السماء، وقال: إنها على مذهب هؤلاء الذين يتتبعون المتشابه كافرة، وقال: ومن الآيات التي تدل على أنه في السماء، قوله تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1]، ولم يقل: الأسفل، ولا الذي في كل مكان.

وهناك أدلة كثيرة تصرح بأن الله أعلى المخلوقات لا يسع المقام لذكرها.


• • • •


قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 137].

أي: إن آمن أهل الكتاب إيمانًا كإيمانكم مماثلًا له من كل الوجوه فقد اهتدوا إلى الحق.


• • • •


قال تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 151، 152]

أي: أكثروا من ذكر الله، فإن من ذَكَرَ الله فسوف يجازيه الله بأفضل الجزاء، وقد قيل: من أكثر من ذكر الله أحبه الله وذكره.


• • • •


قال تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة: 166].

قوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنه: أي: تقطعت بينهم المودة.

قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 180].

فيه هذه الآية قولان:

القول الأول: أنها نسخت بآية المواريث.

القول الثاني: وهو الأحسن، أنها للوالدين المحجوبين الذين لا يستحقان من الفروض الإرثية شيئًا؛ كالجد المحجوب بأب الميت، والجدة المحجوبة بالأم المباشرة، ونحوهم من الأقارب الذين ليس لهم فروض إرثية.


• • • •


قال تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184].

قال تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184].

قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، قال أكثر المفسرين: هذه الرخصة منسوخة بالآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].

وقال آخرون: إنها نسخت بالنسبة  للقادر، أما الكهل، أو المصاب بمرض لا يرجى زواله، وقد قرر الطبيب المختص أن الصوم يضره، ومن كانت ظروفه شبيهة بهذه الحالات؛ فإنها غير منسوخة.

قال تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187].

قوله: ﴿ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 187] أي: لتكون نيتكم من مباشرتكم لزوجاتكم التمتع بهن للإعفاف والحصول على الولد.

• • • •


قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].

الأيام المعدودات: هي يوم عيد الأضحى والثلاثة الأيام التي بعده والتي تسمى بأيام التشريق. أما الأيام المعلومات التي جاءت في قوله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28]، فهي الأيام العشر الأولى من ذي الحجة.


• • • •


قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: 210].

جميع الفرق الإسلامية يؤولون مثل هذه الصفات، ومن ذلك (إتيان الله)؛ فيقولون: يأتي أمره، أما أهل السنة والجماعة فيثبتونها كما أثبتها الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف، فيقولون: إن الله يأتي لكنه إتيان يليق بجلاله وعظمته لا نعرف كيفيته.


• • • •


قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214].

قوله: ﴿ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ﴾ [البقرة: 214]، البأساء تكون في الأموال، أي: أصابهم الفقر، والضراء تكون في الأبدان، أي: أصابتهم الأمراض في أبدانهم، والزلزال يكون في القلوب، بالتخوف بكل أنواعه، والتهديد بالقتل ونحوها من أنواع المضار.


السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ نفحات قرآنية .. في سورة البقرة (2)

  • نفحات قرآنية .. في فاتحة الكتاب

    الشيخ محمد بن صالح الشاوي

    قال تعالى: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ

    19/11/2019 43
  • أهمية الخشوع ومنزلته

    الشيخ / خالد بن عثمان السبت

    أهمية الخشوع ومنزلته: فهو بلا شك في غاية الأهمية، ومن فقده؛ فقد واجباً من واجبات الإيمان، ومما يدل على أهميته: 1-

    07/04/2018 439
  • نفحات قرآنية .. في سورة البقرة (1)

    الشيخ محمد بن صالح الشاوي

    قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5]. الفلاح، قيل

    23/11/2019 43