الحديث العاشر (حديث الهجرة)


محمد بن حسين آل يعقوب

الحديث العاشر (حديث الهجرة)

- قال مسلم رحمه الله: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

"الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ".

الحكم على الحديث:

صحيح مسلم (2948).

أهمية الحديث

1- التوجه إلى أهمية العبادة وأهمية التعبد.

2- توجيه القلب إلى الشوق إلى الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

3- فهم تعويض الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يكون؟

فوائد الحديث

1- في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ". أهمية قضية؛ فقد طغت في هذه الأيام أهميات كثيرة؛ مثل أهمية طلب العلم، أهمية الدعوة إلى الله، أهمية وأهمية، وكل واجبات الدين مهمة ولكن لها مراتب كمراتب الإيمان، فكما أن شعب الإيمان أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فكذلك أعمال الإيمان لها مراتب.

وإنه من المؤكد - والله أعلى وأعلم - أن الأهمية القصوى هي قضية العبادة، وإن كان ثمة شواهد على ذلك، فمن ذلك:

- أن أول الأوامر:

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}

[المزمل: 1-2]

ففيه الأمر بالعبادة الأشق.

- من أولى الفرائض أيضاً حفظ القرآن وتلاوته وتدبره والعمل بما فيه.

- من أولى الفرائض كثرة ذكر الله،

قال تعالى:

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱذْكُرُوا ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا  وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} .

[الأحزاب: 41، 42]

- في قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ" (1).

فهذا دليل على أن علم الإيمان هو العبادة والعمل بالعلم.

- قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ" (2).

وقد رأينا على مدار هذه السنين المتطاولة في الدعوة التي اكتنفتها الفتن بشتى أنواعها أنه لم يثبت إلا أهل العبادة والإخلاص له عز وجل.

نعم زلت أقدام، وأطاحت الفتن برؤوس، ولا يزال أهل العبادة شاخصون إلى الآخرة، راغبون فيما عند الله، ثابتون على الحق لم يغيروا ولم يبدلوا.

2- "فِي الهرْجِ": وأظن أنه لا توجد أيام يصدق فيها أنها أيام الهرج كهذه الأيام، نعوذ بالله من شرها، والاستمساك بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم العبادة بأنواعها من صيام وقيام وذكر وتلاوة وصدقة وحج وعمرة ودعاء وتبتل وتضرع ومناجاة إلى غير ذلك هذه هي النجاة والله، وإلا فستعصف الفتن بالمرء فلا يدري من أين يؤتى.    

3- من فضل الله على العباد - وأيضاً من إقامة الحجة عليهم - أن العبد لا يشتهي شيئاً أو يتمناه ويظن أنه فاته أو لا يقدر عليه إلا ويجعل الله في شريعته ما يعوض عنه ويقوم مقامه؛ لكيلا يكون للناس على الله حجة؛ فمن يتمنى الجهاد ولا يجده أو فاته أو لا يقدر عليه فقد جعل الله أعمالاً تقوم مقامه وثبتت بها الأحاديث؛ مثل ذكر الله، والعمل في عشر ذي الحجة، والحج، وغير ذلك.

وهنا؛ من يشتهي الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتحسر أنها فاتته جاء هنا عمل يقوم مقامها، إنه ابتلاء لكي لا يدعي مدع، فحيهلا على العمل.

4- "عِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ". هي الغربة المطلوبة: "أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ" (3). ففي هرج الناس ومرجهم ووسط هيشات الأسواق هم عباد عاملون لله، تركوا الناس وأقبلوا على الله، فكانت تلك هجرتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لعملهم بسنته حين غفلة الناس عنها.

5- "عِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ". هي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة ولذلك

قال صلى الله عليه وسلم في سر صيامه شعبان:

"ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ" (4).

فإحياء الوقت المغفول عنه من أشق الأعمال؛ لأن النفوس تستأنس وتتشجع حين ترى كثرة الذاكرين، فإذا خلا الوقت ممن يقتدي بهم شق ذلك على النفوس.    

6- "عِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ". وهذه يدفع الله بها البلاء؛ فإن المنفرد بالطاعة في وقت الهرج والفتنة قد يدفع الله به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم؛ قال بعض السلف: لولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس. فكان كالمهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

7- "كَهِجرة إِليَّ". كما أن المهاجر يترك مألوفاته وعاداته وموطنه في سبيل الله ليصل إلى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك العابد في الهرج والفتنة؛ ترك الناس وما اعتادوه وألفوه من الفتن وعاش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته وعبادته وهديه فكان كالمهاجر.

8- "كَهِجرة إِليَّ" كأن المطلوب دوماً الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث يكون إمامك تسمعه

يقول:

"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّ" (5).

ويقول:

"لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ" (6).

وهكذا لا يغيب عن بالك صلى الله عليه وسلم بحيث تكون حركاتك وسكناتك الظاهرة والباطنة موافقة لسنته صلى الله عليه وسلم.

9- "كَهِجرة إِليَّ". ياله من ثواب عظيم! ثواب الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتقده الإنسان بعد

قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ" (7).

فيتم تحصيله لهذا العابد الرباني المشغول بعبادته عما الناس فيه من هموم وفتن.

 

اللهم إنا نسألك هجرة وجهاداً ونية ثم شهادة في سبيلك

بعد طول أجل وحسن عمل يا كريم

 

المراجع

  1. أخرجه البخاري (6497)، ومسلم (143).
  2. أخرجه البخاري (1122)، ومسلم (2479).
  3. أخرجه أحمد (6650). وقال الأرنؤوط: حسن لغيره.
  4. أخرجه أحمد (21753). وقال الأرنؤوط: إسناده حسن.
  5. أخرجه البخاري (631).
  6. أخرجه مسلم (1297).
  7. أخرجه البخاري (2783)، ومسلم (1353).

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الحديث العاشر (حديث الهجرة)

  • الهجرة

    فريق عمل الموقع

    الهجرة :   أيضا هذه القصة معروفة من هجرته عليه السلام وثقته فى نصر الله فى أحرج الأوقات حتى أنه

    14/09/2010 3803
  • ما المراد بإحصاء الأسماء الحسنى وما فضيلته ؟

    الشيخ / هاني حلمي

    السؤال التاسع :  ما المراد بإحصاء الأسماء الحسنى وما فضيلته ؟ إحصاء الأسماء الحسنى من أعظم أسباب دخول الجنة

    10/04/2013 5189
  • أخلاق صاحب القلب السليم - 2

    البندري العجلان

    أخلاق صاحب القلب السليم و من صور مكارم الأخلاق : *    البر بالوالدين وهو فرض عين بالإجماع على كل

    11/10/2017 1149
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day