الحديث السابع والعشرون حديث النور


محمد حسين ال يعقوب

- قال مسلم رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".\

 

الحكم على الحديث

صحيح مسلم (179/ 293)

 

أهمية الحديث

1- هذا الحديث مما يقشعر له القلب والبدن، فهو من صفات الله عز وجل

2- معرفة صفات الله عز وجل يوجل لها القلب، ثم يطمئن بعد معرفتها

3- سرعة الاستدراك للفائت بعد العلم بسرعة رفع الأعمال على الدوام 

غريب الحديث

1- القسط: الميزان. وقيل: المراد الرزق الذي هو قسط كل مخلوق

2- سبحات وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه وجماله وكبرياؤه وعظمته 

فوائد الحديث

1- لا إله إلا الله الحي القيوم، سبحانه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام

معرفة الرباني لربه هذه المعرفة تزرع الثقة واليقين في قلبه بكمال وجلال وعلو ربه سبحانه وتعالى، وإنه لتزداد المحبة في قلبه وبحمد الله عز وجل أنه يعبد رباً عظيماً عزيزاً لا يغفل ولا ينام ولا ينسى، قريب مجيب سميع بصير قادر قاهر 

إن معرفة أسماء الله وصفاته تستجلب من قلب العبد الحمد الجليل لهذا الرب العظيم؛

{وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا} [الإسراء: 111]  

2- "يخفض القسط ويرفعه". في التأصيل قالوا: إن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. وهنا نقول: إن توحيد الأسماء والصفات يستلزم أيضاً توحيد الألوهية 

فالإيمان أنه سبحانه يخفض القسط ويرفعه يستلزم ويوجب محبة القلب لله، فهو الذي يرفع ويضع، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، فلا يبالي العبد بالخلق ولا يرجوهم ولا يخشاهم طالما أنه ليس في أيديهم فعل شيء من ذلك 

3- "يرفع إليه"

قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ } [فاطر: 10]

إنه ليضطرب قلب المؤمن وجلا أن عمله يرفع إلى الله ليعرض على الله، ليحكم عليه الله، ليحاسبه عليه الله

يا سبحان اللهّ وكيف لا يضطرب أي قلب عند علمه أن عمله يعرض على العظيم العزيز سبحانه جل جلاله 

ثم تعرض الأعمال تباعاًً أولاً بأول، فيضطرب قلب العبد أكثر أن يرفع عمله ويعرض على الله وفيه آفات لم يستدركها أو خلل أو عطب أو نقص، فتستحث هذه الجملة العبد على الحضور والتركيز وإحسان العمل وعلى سرعة الاستدراك للفائت وإصلاح ما مضى

 

4- "حجابه النور". سبحان الله الملك العظيم جل جلاله

إن العبد كلما زادت معرفته بالله سبحانه كلما ازداد شوقاً لرؤية وجه الله الكريم، وهو في الدنيا يتابع معرفة أسماء الله وصفات الله من الكتاب والسنة الصحيحة وهو ممنوع من التصور؛

{لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} [الشورى: 11]

 

فيظل يطرد عن خاطره كل تصور ويعيش حقيقة الحجاب فلا يرى إلا النور فقط؛ عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ"

(1). فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى النور، وليس لأحد أن يرى ربه في هذه الدنيا أبداً؛

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ" (2

). وهناك يكون حبه للقاء الله لينطفئ الشوق برؤية وجه الله الكريم في الجنة، اللهم ارزقنا 

5- سبحان ربنا الجليل، له الجمال كله، وله الجلال كله، وله العظمة كلها "حجابه النور"

______________________

  • أخرجه مسلم 178

أخرجه مسلم 4/ 2245 (169)

 

سبحانه، سبحات وجهه تحرق ما امتد إليه بصره من خلقه لولا هذا الحجاب، لولا هذا النور، فيزداد القلب تعظيماً لجمال الله وجلاله ويقشعر القلب والبدن، ثم تفيض على الروح سكينة برد وسلام بالاطمئنان إلى وعد الله برؤية وجهه الكريم في الجنة؛ قال صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ" (1)

 

6- كان النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعل النور في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه، حتى يقول: "واجعلني نورا". فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطاً به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجملته نوراً؛ فدين الله عز وجل نور، وكتابه نور، ورسوله نور، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ، وهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض؛  

قال تعالى: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ } [النور: 35]

7- إذا زالت الحجب الشاغلة عن الله تعالى امتلأ القلب والجوارح بذلك النور، لا بالنور الذي هو صفة الرب تعالى؛ فإن صفاته لا تحل في شيء من مخلوقاته 

اللهم ارزقنا حسن الختام والجنة بغير حساب مع النبي صلى الله عليه وسلم

في الفردوس الأعلى، وارزقنا لذة النظر

إلى وجهك الكريم في الجنة

______________________


أخرجه البخاري (554)، ومسلم (7436)

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الحديث السابع والعشرون حديث النور

معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day