الأسوة الحسنة


صالح أحمد الشامي

قال الله تعالى:

{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا}

[الأحزاب: 21]

قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله".

والأسوة: هو القدوة.

والتأسي به صلى الله عليه وسلم يقتضي: "اتباع الأقوال والأفعال في كل صغيرة وكبيرة في العادات وفي العبادات، في الفروض والواجبات والمباحات، في العمل، وفي طريقة أدائه، في القول، وبالطريقة التي أدى بها هذا القول، إنه التأسي بالمضمون وبالشكل.

وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى من الآية الكريمة، فنقلوا لنا كل ما شاهدوه أو سمعوه منه صلى الله عليه وسلم، نقلوا الطريقة والأسلوب.. طريقة الأكل والشرب والنوم والكلام والمشي وكل شيء حتى ما كان من خاصة الإنسان في شؤون بيته.

نقل الصحابة كل هذا وطبقوه تأسياً واقتداءً .

وهذا التأسي يحتاج إلى معرفة بسيرته صلى الله عليه وسلم وبسنته، ولهذا كان على من أراد ذلك أن يدرس السيرة والسنة ليكون على علم بما يأتي وما يدع.

قال الإمام ابن القيم: "يجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه صلى الله عليه وسلم ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل في عداد أتباعه وشيعته وحزبه".

وقال: "على - المسلم - أن يطالع سيرته صلى الله عليه وسلم ومبادئه أمره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه، وآدابه في حركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه".

وصدق ابن القيم، فإن الذين عاشوا مع سيرته وسنته غدواً وكأنهم بعض أصحابه.

إن دراسة سيرته صلى الله عليه وسلم ليست نافلة من النوافل، وإنما ضرورة من الضروريات لما يترتب عليها من التأسي به صلى الله عليه وسلم.

ونحن بحاجة إلى العودة إلى الآية الكريمة نستطلع تتمتها.

{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ}

بدأ الخطاب عاماً في قوله تعالى: 

{لَكُمْ} 

ثم قال: 

{لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ} 

وهذا نوع من التخصيص ولعله المعنى المراد والله أعلم.

أيها المسلمون، جعل الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة، والذين يوفقهم الله للتأسي به، هم الذين يرجون ثواب الله ورضاه، وهم الذين يرجون النجاة في اليوم الآخر فيكونون من أهل الجنة، وهم الذين يذكرون الله كثيراً بلسانهم ويذكرون الله كثيراً بقلوبهم.. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهناك ترابط وثيق شديد بين جانبي الآية الكريمة.

- فالذين يتأسون به صلى الله عليه وسلم هم الذين يرجون الله واليوم الآخر وذكروا الله كثيراً.

- وقد يكون المعنى: أن الذين يتأسون به صلى الله عليه وسلم يجعلهم التأسي يرجون الله واليوم الآخر ويذكرون الله كثيراً.

وتحمل الآية الكريمة رسالة - وأي رسالة - التمسك بهديه صلى الله عليه وسلم في كل الشؤون، والتطبيق لما جاء به.

والتأسي به صلى الله عليه وسلم لا ينقضي في يوم، أو واقعة، أو شهر.. إنما هو سلوك يستمر طول الحياة.

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الأسوة الحسنة

  • من رحمة الله بنا

    فريق عمل الموقع

     من رحمة الله بنا أنّ الحسنة تمحو السيئة ، و السيئة لا تمحو الحسنة . و من تمام كرمه أنّ جزاء الحسنة بعشر

    11/09/2018 1232
  • مفتاح اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم

    الشيخ / فريد الأنصاري

    تبصرة: إن الاتباع العام للرسول صلى الله عليه في كل شيء، إنما مفتاحه التحلم بحلمه. وهذا – من حيث المعنى – في

    25/12/2018 870
  • أقوال جمهور العلماء في معنى الحسنة

    فريق عمل الموقع

      أقوال جمهور العلماء في معنى الحسنة قال الراغب (1) : " الحسنة يعبر بها عن كل ما يَسُرُّ من

    29/06/2011 9033
معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day