الحديث السادس عشر(حديث الحمد)


محمد حسين ال يعقوب

- قال ابن ماجه رحمه الله: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ أَبُو مَرْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ". وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ".

 الحكم على الحديث

سنن ابن ماجه (3803). وقال الألباني رحمه الله: حسن صحيح ابن ماجه (3066).

 أهمية الحديث

 معرفة أهمية الحمد، والمداومة عليه في كل حال.

 لا بأس أن يكون للعبد ما يحب وما يكره، ولكن في كلا الحالين راض بقضاء الله مثن عليه.

 تعويد اللسان الحمد ينشأ من رضا القلب بالقدر، فابدأ بالقلب ينطلق اللسان.

 فوائد الحديث

 أرسل الله سبحانه - وهو الحكيم القدير - أرسل إلينا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بشيراً لكي نتأسى به في جميع أحواله

قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

 أرسله الله بشراً يعالج كل ما يعالجه البشر في هذه الحياة الدنيا؛ فهو يمرض ويتعب، ويتألم ويحزن، ويحب ويكره، ويعامل البشر المؤمن منهم والمنافق والكافر والرجال والنساء والأطفال، فكان يلقى ما يلقى البشر في جميع أحوالهم، وتأمل هذا الحديث لتتأسى به في جميع أحواله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه صلى الله عليه وسلم.

 (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ). انظر إليه صلى الله عليه وسلم حين يرى ما يحب، وتأمل كم رأيت ما تحب، فماذا كان وقع ذلك في قلبك؟ وماذا كان رد فعلك؟

قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ"

 . حمد الله وأثنى عليه واعترف بأن هذا الذي يحبه من نعمة الله عليه، ثم طلب منه التمام، وأن يكون هذا الذي يحبه وتمامه من الصالحات.

فحمد واعتراف وثناء وشكر وطلب ودعاء ورغبة في الصالحات، صلى الله عليه وسلم.

 (وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ). فهو بشر يحب ويكره، يرضى ويغضب، ويفرح ويحزن، والكراهية لا تنافي الرضا؛ فإن الإنسان قد يرضى دواء مرا وهو يكرهه، ولكن يرضاه ففيه شفاؤه، وهي هنا هكذا؛ ولكن يرضاه.

 "الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ". هكذا يحمد الله وإن كان الحال ليس على ما يحب، فالحمد لله على كل حال وإن كنت أرجو حالاً غير هذا إلا أني أحمد الله على هذا وعلى كل حال.

 وهكذا يتسع قلب المؤمن للرضا بجميع الأحوال

وقد ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده، جعل يضحك، فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟ قال: إن الله تعالى قضى بقضاء، فأحببت أن أظهر الرضا بقضائه.

 فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا: كيف يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم - وهو أرضى الخلق عن الله - ويبلغ الرضا بهذا العارف إلى أن يضحك؟

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدى هذا العارف؛ فإنه أعطى العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضا عن الله، ولرحمة الولد، والرقة عليه فحمد الله، ورضى عنه في قضائه، وبكى رحمة ورأفة، فحملته الرأفة على البكاء، وعبوديته لله ومحبته له على الرضا والحمد، وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة والرأفة (1).

______________________

زاد المعاد 1/ 480.

 لزوم الحمد على كل حال في السراء والضراء على ما يحب وعلى ما يكره ينشأ من شعوره بحسن اختيار الله له؛

قال صلى الله عليه وسلم: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"

فمن أيقن بحسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له، ومن هنا ينشأ الرضا والحمد؛ قيل للحسن بن علي: "إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة. فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن شيئاً.

 وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء.

فالوقوف مع اختيار الله، والإعراض عن اختيار النفس من قوة المعرفة بالرب تعالى، والمعرفة بالنفس.

 وهذا إيمان بموجب أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى؛ إذ جميع ما قدر على العبد أوجبته مشيئة الله، وحكمته، وملكه.

ومنع الله سبحانه وتعالى لعبده المؤمن المحب عطاء، وابتلاؤه إياه عافية.

فمن لم يرض بما رضي به ربه لم يرض بأسمائه وصفاته، ولم يرض به رباً.

 

 

اللهم ارزقنا الرضا بقضائك وطيب القلب بأقدارك

وحسن الظن بك والشوق إلى لقائك

______________________

أخرجه مسلم (2999).

 

السابق التالى

مقالات مرتبطة بـ الحديث السادس عشر(حديث الحمد)

معرفة الله | علم وعَملIt's a beautiful day